مقدمة عن الفنون الإنسانية للسعادة الزوجية

محمد حسن هلال







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:







منذ أكثر من 20 عامًا وأنا أبحث عن السعادة أو مهاراتها أو فنونها، وعقَدت النية في ذلك، وقوَّيتُ العزم على أن أَصِلَ إليها بإذن الله، وقصَدتُ الطريق في طلبها، وأيقظتُ نفسي، وجعلتُ ذلك همَّها، أقصِد البحثَ عن السعادة، وبدأتُ في الملاحظة لمن يُمارسونها ويَتمتَّعون بها، والتقليد لأفعالهم، وسؤال مَن اعتقد أنهم من أصحابها.




ودعمتُ نفسي بقراءة الكتب والمراجع التي تهتم بها، والاطلاع على البحوث والدراسات التي أُجريت حولها، كما أنني دخلتُ مجال الدراسات العليا للحصول على الدعم الأكاديمي، وقد تعلَّمتُ على يد أكاديميين عباقرة، فتعلمتُ في المجال الأسرى وعلم الاجتماع وعلم النفس والصحة النفسية، ثم دخلتُ مجال التدريب في مجالات التنمية البشرية والإرشاد الأسرى للحصول على الخبرة المهنية، فتلقيتُ التدريب على يد متخصصين مميزين على مستوى الوطن العربي، وقد التحقتُ الآن بمجال العمل الوظيفي خبيرًا في المجال الأسرى ... ولله الحمد والفضل.




فكان نتاج ذلك الجهد: أني توصَّلتُ إلى أن السعادة في طاعةالله تبارك وتعالى، واكتشفتُ أن استمرارَها في حياتنا يأتي باتِّباعهدي رُسلِالله أجمعين، عليهم جميعًا الصلاة والسلام، وقد وجدتُ حقيقة مهمة جدًّا مُؤَدَّاها:

أن مَن كان يريد أن يكون مِن السُّعداء، فعليه أن يعمَل بعمل أهلالسعادة، كما أني تيقَّنتُ أن جوهرالسعادة يبدأ من داخل نفس الإنسان، فيجد نفسه تتمتَّع بالهدوء والسلام الداخلي أيما تمتُّع، ويتقبَّل حياته ويُسلم الأمر لله سبحانه، والسعيد دائمًا لديه الرضا التام لِما يحدُث له من مِحَنٍ، فتتحوَّل إلى مِنَحٍ، والبلاء فيتحول إلى عطاء، ويتلذَّذ بالألم؛ لأنه يزيد لديه الأملُ، كما أن دليل السعادة لديه يكمُن في الصبر عند الضراء والشكر عند السرَّاء، والبِشر الكامل بأن القادم أفضلُ، وهو دائمًا على يقين أن مع العسر يسرًا.




والسعادةلا تقتصر على الإنسان وهو بمفرده فقط، فكم من إنسانٍ يعيش بمفرده سعيدًا، وكثير منهم يعيش شَقِيًّا!، لذا فالسعادة لا نشعُر بوجودها في حياتنا، ونحن بمفردنا فقط، بل تكون أفضلَ وأجمل عندما نُمارسها مع شُركاء حياتنا، فطبيعة الحياة أنها تعتمد على الزوجية في كل شيء؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [الذاريات: 49].




تنوَّعت صفة الزوجين في خَلقالله، فنجد ليلًا ونهارًا، شمسًا وقمرًا، أرضًا وسماءً، ذكرًا وأنثى، رجلًا وامرأةً ... ونجد بين كلِّ زوجين مِن خَلْق الله صفةَ التناغم والانسجام، ونحن هنا نقول:

إن السعادة بين الزوجين - خاصة الرجل والمرأة - تكون أساسها المودة المملوءة بالمحبة، وإن ارتقاءَها يكون في الرحمة المكلَّلة بالشفقة، وإن استمرارها في الحياة الزوجية يكون نابعًا من شعور كلٍّ من الزوجين بأنه سعيدٌ مع الآخر، ومن أجله هو سعيد!.




وهذا ما لاحظتُه منذ بداية إدراكي ووعيي للحياة في بيتي، عندما كنتُ طفلًا أُشاهد "والدي حفِظه الله" في براعة تعامُله مع "والدتي حفظها الله"، وكيفية أنه يتمتع بفنون في التعامل جعلتِ السعادة، ولله الحمد تُرفرف على بيتنا، وهذا من فضل الله علينا ... وزاد مني التركيز في نهمٍ عندما كنتُ أُلاحظ رُقيَّ تعامُل "جدي مع جدتي رحمهما الله"، ولطافته معها في مواقفهم الحياتية، ومدى السعادة التي كانا يشتركان في تحقيقها سويًّا، وقد يكون ذلك بدون قصد منهم، ولكني أرى أن هذا كان بسبب صفاء قلوبهم، وطهارة عقولهم وعفَويَّتهم، دون تجمُّلٍ أو تطبُّعٍ، وبساطة عيشهم للحياة؛ لذلك كانوا مستمتعين بحياتهم أيما تمتُّع!.




وكان حلمًا في خاطري أن أكون سعيدًا مع مَن يَرزُقني الله إياها؛ لتكون زوجةً لي، دفَعني ذلك أكثر وقوَّى من عزيمتي للبحث عن السعادة الزوجية، خاصة عندما كنتُ أبحث عن شريكة حياتي "زوجتي حفِظها الله لي"، التي كوَّنتْ لدي الرؤية الواضحة عن السعادة الزوجية، وما يزال عطاؤها مستمرًّا، وهي تشاركني في تعامُلها وممارسة فنونها.




وزاد هذا الجهد مني للبحث عن السعادة الزوجية، وأصبح بمثابة تكليف شرُفتُ به مِن مجتمعي، ألقى به على عاتقي وأصبحتُ مسؤولًا عن تعليمها لمن يَفتقدها من الأزواج والزوجات بحُكم طبيعة عملي المهني، كما أن خِبرتي الاجتماعية التي اكتسبتُها من خلال مقابلاتي اليومية مع أولئك الذين أرادوا إنهاءَشراكتهم المقدسة تحت وَطْأة ضغط نفسي، أو حدثٍ مفاجئ، وليس لديهم أيَّةُ رغبةٍ في الصلح، الأمر الذي دفعني إلى أن أتقصَّى أسبابَ ذلك، وبالتالي إيجاد الحلقة الفارغة التي بغيابها سيؤدي ليس فقط إلى خلل وتفكُّك الأسرة فحسب، وإنما إلى فساد المجتمع بأكمله، فدومًا أتساءل مع مَن أُقابله عن أسباب اعتقاد الغالبية منهم: أن سعادتهم للأسف ستأتي بمجرد الانفصال عن شريكه/ ها في الحياة الزوجية، فأدركتُ من تعبيراتهم غير الملفوظة، وردودهم الملفوظة أن من أهم الأسباب التي تدفع بهم إلى ذلك ثلاثة أشياء هي:

إما أنهم يفتقدون معنى السعادة في حياتهم الزوجية، هذا من ناحية، وإما لافتقار أحدهم إليها هذا من ناحية أخرى، أو أنهم لا يعلمون عنها شيئًا، فلا يبذل أيٌّ منهما الجهدَ لإسعاد الآخر، أو أنهم يَمتلكون معلومات خاطئة ومغلوطة عن السعادة في الحياة الزوجية.




خلال حياتنا نجد أن مَن يرغب في إنشاء شركة أو مشروع مع شريك له بالنصف، نجده يتحرَّى في هذا الشريك العديدَ من الشروط والمؤهلات والصفات، ويقوم بدراسة جدوى قبلية عن هذا المشروع أو تلك الشركة، ويسأل المختصين أو الممارسين لمثل نشاطهم، ويتعلم فنون الإدارة لهذه الشركة أو ذاك المشروع، مع العلم التام أن هذا الشريك لن يشاركه في جميع أمور حياته!، فما بال الكثيرين ممن يرغب في الزواج، وهو مشروع العمر، نجدهم للأسف: لا يهتمون بمعرفة صفات واختلافات وتشابهات شركاء حياتهم، ولا يضعون شروطًا، أو يراعون معايير عند اختيارهم لهم، فهل يُعقَل هذا!!؟.




وإنني أتعجَّب من أزواج وزوجات يبحثون فقط عن الزواج حتى يكونوا سعداءَ، وفي الوقت نفسه لا يعرفون حقيقته، فالكثير منهم يعتقد بإدراكه المحدود: أن الزواج هو فقط شهر عسل إن صحَّ التعبير، ويُفرِغ عقلَه من استمرار حياتهم الزوجية بعد انتهاء هذا العسل، فكان لزامًا عليهما: أن يُدرك كلٌّ منهما حقيقة مهمة جدًّا، وهي: أن الحياة الزوجية ليستْ ورديَّة كما يتخيَّلونها قبل الزواج، فإنها قد يتعكَّر صفاؤُها ببعض التحديات الصعبة التي يُفترض أن يكون كلا الزوجين لديه الوعي بحدوثها، وأن يَمتلك كلا الزوجين المعرفة الكافية لمواجهتها والتعامل معها، لكن للأسف نجد أن الكثير من الأزواج والزوجات - خاصة حديثي الزواج - تكاد حياتهم تَمُرُّ وتتميَّز بالروتين والركود، وأن كثيرًا منهم يلجأ إلى الانفصال عن شريك حياته نتيجة لتصادُمه، دون استعدادٍ للتعامل مع الواقع الحقيقي للحياة الزوجية، فأغلبهم يَقنَط من تلك الحياة، فيلجأ إلى الحِيَل الدفاعية المعبِّرة عن سَخَطِه بالسبِّ والإهانة والضرب والنشوز، وجفاف المعاملة، فتتزايد نِسَبُ الطلاق والخلع، وتنهار الكثير من الأُسَر وتتفكَّك!.




وتكون الجريمة الكبرى المترتبة على هذا الزواج غير الموفَّق: إهدارَ حقوق الأبناء، فهؤلاء الضحايا يتشتَّتون ويَتيهون في طيَّات الحياة، ويُصبح مستقبلُهم مظلمًا، فلا يظهر نور الشمس لنهارهم، ويغيب ضوءُ القمر عن ليلهم، فيتحوَّلون إلى أبناء غير أسوياء، ويكونون سببًا في إحداث الإضراب الاجتماعي، ويَجني المجتمع ثمار ذلك مِن مثل: ظهور العنف، وانتشار الجرائم، لكون هؤلاء الأطفال قد افتقدوا الأمن والأمان، والتربية الصحيحة في أُسَرهم؛ لذا فهم يُحمِّلون المجتمع بأسْره ذنبَ عدم مساعدة آبائهم وأمهاتهم في الحفاظ على تماسُك أُسَرهم، وذلك كله حدَث لهم دون ذنبٍ منهم، سوى أنهم أبناء لآباء وأمهات يتزوَّجون فقط للإنجاب!!؟.




لذلك فإني قد استخرتُ الله؛ كي يوفِّقني لأن أَمُدَّ يدَ العون والمساعدة لأُسَر هؤلاء الأطفال، لإرشادهم إلى كيفية مواجهة هذا التحدي الصعب؛ حتى نتمكَّن من وقاية مجتمعنا من تلك الأخطار المحتملة، فأرشَدني ربي إلى أن أقومَ بإعداد كتاب؛ لنتعرَّف فيه على فوائد الزواج، وأهمية الأسرة، ومقوماتها ووظائفها، ونتفهَّم منه الاختلافات بين الزوجين، الرجل والمرأة، والمتشابهات بينهما، والكثير من الموضوعات المهمة عن الحياة الزوجية، ونكتسب منه المهارات الراقية للتعامل، فالحياة الزوجية حتى تستمر في أمان لا بد لها من فنون يمارسها الزوجين سويًّا؛ حتى يَنْعَما بالسعادة الزوجية التي نتناولها تفصيلًا خلال حدائق الكتاب الفيَّاضة بالثمار الناضجة المفيدة، التي يرغب الجميع منا في أن يتذوَّق حُلوَ طَعمها، وروعةَ مذاقها الصحي المقوِّي للجسد، وفعاليتَها المحفِّزة للنفس، ورُقيَّها الداعم للرُّوح، وتكون لنا عملًا صالحًا يُساعدنا على طاعةالله في حياتنا من خلال هذا الكتاب؛ عملًا بقوله تعالى في كتابه العزيز: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 114]، وقد وضعتُ تلك الفنون بطريقة عملية مَرِنة؛ لتُوافق وتُناسب - بتيسير الله - كلَّ الأزواج والزوجات، بقصد أن ينفَع به الله تبارك وتعالى جميعَ الأزواج والزوجات، للوصول إلى المتعة الحياتية بكل مودة ورحمةٍ، لعلهم يتفكرون!.




منقول